الشنقيطي

3

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الجزء الخامس بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة الحج يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ( 1 ) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ( 2 ) [ 1 - 2 ] . أمر جل وعلا في أول هذه السورة الكريمة : الناس بتقواه جل وعلا ، بامتثال أمره ، واجتناب نهيه ، وبين لهم أن زلزلة الساعة شيء عظيم ، تذهل بسببه المراضع عن أولادها ، وتضع بسببه الحوامل أحمالها ، من شدة الهول والفزع ، وأن الناس يرون فيه كأنهم سكارى من شدة الخوف ، وما هم بسكارى من شرب الخمر ، ولكن عذابه شديد . وما ذكره تعالى هنا من الأمر بالتقوى ، وذكره في مواضع كثيرة جدا من كتابه ، كقوله في أول سورة النساء يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ إلى قوله وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ [ النساء : 1 ] الآية والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا . وما بينه هنا من شدة أهوال الساعة ، وعظم زلزلتها ، بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها ( 1 ) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها ( 2 ) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها ( 3 ) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها ( 4 ) [ الزلزلة 1 - 4 ] وقوله تعالى وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً ( 14 ) [ الحاقة : 14 ] وقوله تعالى إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا ( 4 ) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا ( 5 ) [ الواقعة : 4 - 5 ] وقوله تعالى يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ( 6 ) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ( 7 ) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ ( 8 ) أَبْصارُها خاشِعَةٌ ( 9 ) [ النازعات : 6 - 9 ] وقوله تعالى ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً [ الأعراف : 187 ] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عظم هول الساعة . وقوله في هذه الآية الكريمة اتَّقُوا رَبَّكُمْ قد أوضحنا فيما مضى معنى التقوى بشواهده العربية ، فأغنى ذلك عن إعادته هنا . والزلزلة : شدة التحريك والإزعاج ، ومضاعفة زليل الشيء عن مقره ومركزه : أي تكرير انحرافه وتزحزحه عن موضعه ، لأن الأرض إذا حركت حركة شديدة تزلزل كل شيء عليها زلزلة قوية . وقوله يَوْمَ تَرَوْنَها منصوب بتذهل ، والضمير عائد إلى الزلزلة . والرؤية : بصرية ،